الذهبي

187

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

إنّ محمدا قد رجع إلى ديننا ، فلمّا بلغ آخر النّجم سجد صلّى اللَّه عليه وسلّم وسجد كلّ من حضر من مسلّم أو مشرك ، غير أنّ الوليد بن المغيرة [ ( 1 ) ] كان شيخا كبيرا رفع ملء كفّيه ترابا فسجد عليه ، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السّجود ، بسجود إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، عجب المسلمون بسجود المشركين معهم ، ولم يكن المسلمون سمعوا ما ألقى الشيطان ، وأمّا المشركون فاطمأنّوا إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وأصحابه ، لما ألقي في أمنية رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وحدّثهم الشيطان أنّ رسول اللَّه قد قرأها في السّجدة ، فسجدوا تعظيما لآلهتهم . وفشت تلك الكلمة في النّاس ، وأظهرها الشّيطان ، حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين عثمان بن مظعون وأصحابه ، وحدّثوا أنّ أهل مكة قد أسلموا كلّهم وصلّوا ، وأنّ المسلمين قد أمنوا بمكة ، فأقبلوا سراعا ، وقد نسخ اللَّه ما ألقى الشيطان ، وأنزلت وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا

--> [ ( ) ] إنما قال ذلك إبليس حين تصوّر في صورة سراقة بن مالك لقريش وهم يريدون الخروج إلى بدر ، وكما تصوّر في صورة الشيخ النّجديّ ، حين تشاورت قريش في دار النّدوة ، في أمر النّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وكان مثل ذلك جائزا في زمن النّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم لضرب من التدبير ، فجائز أن يكون الّذي قال ذلك شيطانا ، فظن القوم أن النّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم قاله . ( انظر ج 3 / 246 سورة الحج ) . وقال الحافظ البيهقي في دلائل النبوّة 2 / 62 : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل . وبيّن جرح رواتها وطعن حملة العلم فيهم . وفي « البحر » أنّ هذه القصة سئل عنها محمد بن إسحاق صاحب « السيرة » فقال : هذا من وضع الزنادقة . وقال أبو منصور الماتريديّ : الصّواب أنّ قوله « تلك الغرانيق إلخ » من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزّنادقة ، والرسالة بريئة من هذه الرواية . وقال القاضي عياض في الشفاء 2 / 28 : يكفيك أنّ هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصّحة ، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل ، مع ضعف نقلته ، واضطراب رواياته ، وانقطاع إسناده ، واختلاف كلماته . وقد فصّل القاضي عياض عدم صحّة هذه الرواية من عدّة وجوه يحسن مراجعتها . في كتابه الشفاء 2 / 116 - 123 ، وانظر تفسير القرطبي 12 / 82 ، والنويري في نهاية الأرب 16 / 235 - 241 . [ ( 1 ) ] ويقال هو أبو أحيحة سعيد بن العاص .